ابن كثير
25
السيرة النبوية
فلما كان العشى هاجت سحابة من سحائب الخريف ، فخرج عمه يتمطر تحتها فأصابته صاعقة فقتله . ففزعوا إلى ولده ، فإذا هم محمقون ليس في أحد منهم خير . فمرج ( 1 ) على الحبشة أمرهم . فقال بعضهم لبعض : تعلمون والله إن ملككم الذي لا يصلح أمركم غيره للذي بعتم الغداة ، فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة فأدركوه قبل أن يذهب . فخرجوا في طلبه ، فأدركوه فردوه ، فعقدوا عليه تاجه وأجلسوه على سريره وملكوه . فقال التاجر : ردوا علي مالي كما أخذتم مني غلامي . فقالوا : لا نعطيك . فقال : إذا والله لأكلمنه . فمشى إليه فكلمه فقال : أيها الملك ، إني ابتعت غلاما فقبض منى الذين باعوه ثمنه ، ثم عدوا على غلامي فنزعوه من يدي ولم يردوا علي مالي . فكان أول ما خبر من صلابة حكمه وعدله أن قال : لتردن عليه ماله أو لتجعلن يد غلامه في يده فليذهبن به حيث شاء . فقالوا : بل نعطيه ماله . فأعطوه إياه . فلذلك يقول : ما أخذ الله منى الرشوة فآخذ الرشوة حين رد على ملكي ، وما أطاع الناس في فأطيع الناس فيه . * * * وقال موسى بن عقبة : كان أبو النجاشي ملك الحبشة ، فمات والنجاشي غلام صغير ، فأوصى إلى أخيه أن إليك ملك قومك حتى يبلغ ابني ، فإذا بلغ فله الملك .
--> ( 1 ) مرج : اضطرب واختلط .